السبت، 10 أكتوبر 2026

دور العنف الثوري والمهام الثورية اليوم في فرنسا

مجلة : قضية الشعب الفرنسية
ترجمة طريق الثورة

إنّ الانتفاضة الكبرى لتلاميذ الثانويات، التي انطلقت من الشباب البروليتاري، هي التعبير المركَّز عن كل مشكلات مجتمعٍ ونظامه الاجتماعي الغارق في أزمة عميقة، وهي في الوقت نفسه تحمل حلولها. إنّ عودة الصراع الطبقي تعيد مسألة «العنف» إلى قلب النقاش. ويتلخص محرك المسار التاريخي الراهن بأكمله في التناقض المتصاعد بين العنف الثوري للجماهير والعنف الرجعي للجهاز البرجوازي.
لقد شرح إنجلز، في عمله الرائع «دور العنف في التاريخ»، أنّ العنف وسيلةٌ للحفاظ على القاعدة الاقتصادية، كما أنه وسيلةٌ لتغييرها. فرنسا مجتمعٌ طبقي تستغل فيه الأقلية البرجوازية الأغلبية البروليتارية. وهو مجتمع قائم على استغلال بروليتاريا فرنسا، وبصورة رئيسية بروليتاريا البلدان المُهيمَن عليها، ولا يمكن للعنف إلاّ أن يكون في صميم إعادة إنتاجه. ولا يمكن الحفاظ على نظام الهيمنة هذا إلا بالعنف الرجعي. فالدولة البرجوازية، إذا نزعنا عنها كل الزخارف، هي «فصائل خاصة من الرجال المسلّحين» خارج المجتمع[1]، ومهمتها الحفاظ على النظام الاجتماعي البرجوازي عبر الشرطة والجيش والسجون والقضاء. والقوة العمومية «تتعزز بقدر ما تتفاقم التناقضات الطبقية داخل الدولة»[2]. وهكذا فإن العنف عادل من وجهة النظر البرجوازية حين يخدم مصالحها. فأعمال العنف واغتيالات الشرطة وتدخل الجيش والمجازر كلها مشروعة من وجهة نظر البرجوازية من أجل الحفاظ على النظام.
إنّ «حفظ النظام»، أي النظام الذي تهيمن فيه البرجوازية على المجتمع بأسره، هو العنف القانوني، بينما العنف الثوري الذي يناضل من أجل نظام عادل يتحوّل إلى «عنف مُدان». ويتحول العنف إلى شرٍّ مطلق حين يصبح أداةً سياسية بيد البروليتاريا والجماهير الشعبية. ونفهم لماذا يكون تحطيم حياةٍ بالتشويه أمراً مقبولاً، بل ضرورياً، في حين أنّ إحراق سلة قمامة جريمة في فرنسا عام 2026.
لقد أدرك الشباب البروليتاري الأكثر اضطهاداً في فرنسا، الذي يعاني في جسده من السياسة، أي من الاحتكاك التناحري بين البروليتاريا والبرجوازية، الطابعَ الطبقي للدولة بالغريزة. وفي زمنهم كان أصحاب السترات الصفراء قد بدأوا يدركون ذلك بالطريقة نفسها، بثمن العيون المفقودة والضرب والسجن. إنّ الأجيال الجديدة لا تحتاج إلى خطب كبيرة لتفهم أنّ الدولة والأثرياء لا يكترثون بثرثرة السلميين. إنهم يفهمون، منذ وُجد المجتمع الطبقي، أنه دون موازين القوى لا شيء. لم يُنتزع أي تغيير مهم في التاريخ بالعرائض أو بالمظاهرات الممتدة من الباستيل إلى الأمة.
وعليه، فإنّ يوم الخميس 1 أكتوبر كان لا بد أن يُخيف البرجوازية وجهاز دولتها بأكمله. فقد أطلقت بروليتاريا الضواحي المدينية عنفاً ثورياً جماهيرياً نسبياً بحماسة لا تُخجل أسلافها الكوميونيين، وأيقظت ذكريات عهد الإرهاب. إنّ الشباب البروليتاري هو الوريث الجدير للسانكولوت ولأبناء وبنات كومونة باريس الخالدة. وبعفوية منظَّمة، جاء أجمل شباب في بلادنا، مسلحاً بشجاعة تتفق مع التاريخ، ليزعزع الإجماع البورجوازي ويمنح صوتاً مدوياً لغضب الشعب العميق. لقد صار شباب الـ93 صدى لـ70% من السكان، أي للجماهير الشعبية. وهذا الشباب، كالبروليتاريا، ليس جزءاً من الإجماع؛ إنه يرفضه لأنه يعلم بالممارسة التاريخية أنه يتعارض مع مصلحته. ولهذا تُهجَر مظاهرات وسط المدينة المعتادة من قِبل قلب الطبقة. فهي تعود إلى الفئات الوسطى، و«النقابيين»، و«الوسط السياسي»، وإلى كل من لم يقطع في العمق مع الإجماع ولا يزال ينتظر شيئاً من هذا النظام المتهالك. وقد أظهر الشباب البروليتاري، إلى جانب قوات الصدمة التابعة له، الشبيبة الشيوعية، أنّ البروليتاريا هي محرك الثورة الاشتراكية في فرنسا وقيادتها. ونجح الشباب البروليتاري في جرّ بقية الشباب في أثره، وهذه حقيقة بليغة. وسيكون الأمر كذلك مع الطبقة العاملة التي تملك وحدها القدرة على جرّ القطاعات الواسعة المأزومة من المجتمع. وهنا أيضاً المسألة الوحيدة هي بناء حركة شيوعية قوية، أي طليعتها.
نفهم الآن الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للبرجوازية في احتواء حركة الشباب (وكل حركة اجتماعية) في تظاهرات غير تناحرية، لا تكسر الإجماع ولا النظام البرجوازي، وتمتنع عن السياسة. إنّ احتجاز المفاوضات رهينة بعد أيام طويلة من نضالات جوفاء هو دوماً علامة على استعادة السيطرة. وهذا هو الصراع بين القديم والجديد، بين العصر القديم والموجة الجديدة للثورة البروليتارية. وعودة العنف السياسي تعبّر عن قطيعة الاشتراكية مع الإمبريالية قولاً وفعلاً وممارسةً.
إنّ مظاهرة الثلاثاء 6 أكتوبر، التي أُمرت فيها الشرطة بالتراجع وبقمع مع شيء من ضبط النفس، مع قبول مسيرات عفوية ومراقَبة، هي محاولة لاستعادة السيطرة على الحركة وإعادة إدماجها في المشهد الديمقراطي عبر تفريغ فائض النزعة القتالية. ومن البديهي إذن أنّ على الحركة الشيوعية برمتها أن تدفع نحو تحطيم هذا الإجماع بزيادة تعبئة الجماهير وروحها القتالية. وبهذا المعنى، فإنّ المطالب الآنية قليلة الأهمية أمام مسألة تطوير الوعي الثوري. فمطالب أي حركة هي دائماً تناقض: إذ ينبغي أن تتيح انتصارات، لكنها قد تكون في الوقت نفسه جزءاً من المشهد الديمقراطي ومن العودة إلى الوضع الطبيعي. ولا بد أن يكون المرء ساذجاً جداً، أو منافقاً، ليظن أنّ انفجار العنف الثوري في الأيام الأخيرة نتيجة نقص الأساتذة... فاعتقاد كهذا يُفرغ الحركة من طابعها السياسي، لأنّ الأساس هو المجتمع الراهن، ومستقبل شباب يفلت منه مستقبله تماماً، وأفقه يقع بين الكارثة البيئية والحرب العالمية. أما مطالب الجماهير المنتفضة فكانت مختلفة تماماً؛ كانت في جوهرها «اضرب الشرطي» و«أحرق ثانويتك»، ومكثَّفة في «نحن لسنا كلاباً». عمّاذا نتحدث إن لم يكن عن الممثلين المباشرين للاضطهاد البورجوازي في الحياة اليومية للشباب البروليتاري ؟ فالمدرسة البرجوازية ليست عاملَ تحرر للبروليتاريا، بل أداة تكوين على نظام ظالم هو الرأسمالية. أمّا الشرطة فتطارد الحياة اليومية للأحياء الشعبية وتُرهب الشباب في فضاء عيشه. وإنّ مهاجمة السلطة مباشرة، دون المرور بكل آليات الرقابة البرجوازية، هو في حد ذاته مطالبةٌ بضرورة الاستيلاء عليها بالطريق الثوري. إنّ البروليتاريا تريد السلطة، وتطالب بالقيادة السياسية.
إنّ الحركة الراهنة في منزلة بين المنزلتين، وعلينا أن نبذل كل ثقلنا وإيماننا لنُميلها نحو الثورة. والرهان السياسي منذ اليوم هو تجاوز نزعة «الحركة الاجتماعية» ذات الطراز القديم وكسرها. ولا يمكننا أن نقبل بأن تُستعاد وتُهضم وتُدمَّر على يد الانتهازية. ويجب على الحركة الشيوعية أن تتبنى ذلك بكل الوسائل الممكنة. فقبول استعادة الدولة السيطرة على الحركة يعني الإقرار بموتها، وهو إدانة مسبقة ليوم 17. كما أنه يدفع الشباب إلى أحضان الانتهازية الانتخابية، التي ستجني الأرباح من بؤس البروليتاريا. وفي هذه اللحظات المكثفة تتكشف الطليعة وتختارها الجماهير. هناك شريحة من السكان ثورية بالفعل منذ الآن، وتملك الكتلة اللازمة لتغيير أجندة إعادة الهيكلة / الرجعنة السياسية للمجتمع القديم، وعلينا أن نوقظها.
ومهما يكن، فإنّ العنف الثوري عادل. إنّ الشباب البروليتاري في فرنسا مجيد، فقد زلزل أسس المجتمع القديم، مذكّراً كل المترفين والبورجوازيين وكلاب حراستهم بأنّ إرهاب 1793 لم يكن سوى مؤجَّل. إنه شجاع لا جبان. فليُعلم ذلك: تحت كل قلنسوة يغفو روبسبير، وكوميوني، ومقاوم، ولن يكون هناك مكان لأنصاف الحلول.
...............
[1] لينين، الدولة والثورة.
[2] المصدر نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق