بدأت الاحتجاجات في إحدى
مدارس كريتيل، وسرعان ما امتدت إلى عشرات المدارس في سان أوين، وسان دوني، وستان،
وسارسيل. واجتاحت الاحتجاجات الطلابية غرونوبل ونيس يوم الاثنين، ثم إلى
مرسيليا، وليون، ورين، وليل، وتولوز يوم الثلاثاء. وفي ليون، أُغلقت عشرات
المدارس، وبلغ عدد المشاركين في الاحتجاجات أكثر من 8000 شخص. كما شهدت أكثر من
1000 مدرسة إغلاقاً أو مظاهرات، شارك فيها في المقام الأول شباب من الطبقة العاملة.
انتفض تلاميذ المدارس في فرنسا رفضا للظروف
المتردّية التي يزاولون فيها تعليمهم داخل المؤسسات التعليمية ورفضا للتخلي
التدريجي للدولة البرجوازية عن مساهمتها في توفير خدمات تعليمية مرضية للطلاب. فقد احتج
الشباب على نقص الموارد في التعليم، ونقص الموظفين، وزيادة الإنفاق الحكومي على
الدفاع، حيث يُحرم الأطفال من ظروف دراسة مقبولة ويُحرم المعلمون من ظروف عمل
لائقة، ويفتقر جميع المعنيين إلى الفصول الدراسية المناسبة، والتمويل اللازم
للأنشطة والرحلات المدرسية، والمساعدة الاجتماعية اللازمة للتخفيف من التفاوتات
بين الطلاب من مختلف الطبقات الاجتماعية.
ويقدّم إقدام جماهير
التلاميذ والطلاب على عمليات الإحراق والإغلاق للمؤسسات التعليمية وكذلك لبعض مراكز
الأمن، يقدّم الدّليل على أنّ السبيل لمواجهة سياسة القمع الوحشي التي تنتهجها الدولة
البرجوازية هو المزيد من المقاومة ومواجهة العنف بالعنف. فالاستخدام المُكثّف
لوسائل القمع واعتقال الآلاف من الأطفال وتعنيفهم في الشوارع وفي الساحات العامّة
يقابله الطلاّب بتصعيد الاحتجاجات وبمزيد الصّمود في مواجهة آلة القمع البرجوازية.
لقد اكتشف هؤلاء التلاميذ أنّ ما يدرسونه حول "قيم الجمهورية الفرنسية"
ليس إلاّ شعارات دعائية تزيّن الكتب المدرسية وهي غير قابلة للتصريف في واقعهم
اليومي بل إنّها تتجسّد في قيم القمع والاضطهاد والاستغلال على ارض الواقع. لذلك
لا يتوانى الشباب الغاضب عن مواجهة هذا القمع بشقّ غمار الاشتباك مع قوات الأمن وصدّها مثلما حدث في سان دوني (المقاطعة
93). بل إن بعض الشباب أضرموا النار في مدخل مركز للشرطة في ليون، احتجاجاً
على القمع الوحشي والتعسفي الذي يتعرضون له.

من الشعارات التي رفعتها الجماهير التلمذية الغاضبة في شوارع المدن الفرنسيّة: أنفقوا على التعليم لا على الجيش
يكشف هذا الشّعار سياسة التسلّح التي تنتهجها الدّولة البرجوازية الفرنسيّة في الوقت الذي يتصاعد فيه الصّراع بين القوى الإمبرياليّة التقليديّة من جهة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيّة والقوى الصّاعدة من جهة أخرى بقيادة روسيا والصين، وما الحروب الدّائرة الآن في عدد من مناطق العالم ومنها بالخصوص في اوكرانيا وفي إيران وكذلك بعض النزاعات المسلّحة في القارّة الأفريقيّة إلا دليل على احتدام هذا التناقض بين الإمبرياليات. وتجد الدولة البرجوازية الفرنسية، مثلها مثل برجوازيات الدّول الأوروبيّة الأخرى، نفسها مُجبرة على السّير في طريق السّباق نحو التسلّح حتّى لا تفقد مكانتها العسكرية والسياسية في قائمة القوى العالمية وحتى لا تخسر حصّتها من عمليّة التقسيم الجديد للعالم في صورة نشوب حرب كُبرى أو حرب عالميّة تبدو مؤشّراتها اليوم قائمة. وطبعا لن تستطيع البرجوازية الفرنسية توفير نفقات العسكرة والتسلّح من جهة وتوفير نفقات التعليم والصحة وبقية الخدمات الاجتماعية من جهة أخرى، بل إنّ ترفيع قيمة التمويلات الموجّهة للجيش والسلاح ستتأتّى على حساب الميزانيات المخصّصة لميادين أخرى وهو ما يفرض على هذه البرجوازية المزيد من الضغط على الطبقات الاجتماعية الأخرى بإثقال كاهلها بالضرائب وتجميد اجور العمّال والترفيع في قيمة خدمات التعليم والصحة والنقل والضغط على انفاق الدّولة في هذه المجالات وهو ما يزيد في تفقير الطبقات المفقّرة والكادحة.
مشهد يوثّق العنف المتبادل بين أحد المحتجّين وعناصر من قوات الشرطة الفرنسيّة
وهذا مشهد يؤكّد نعومة "قيم الجمهورية الفرنسيّة"
من حقّ التلاميذ والعمّال والشعوب والأمم المضطهدة القيام بالثّورة
لقد أشعل طُلاّب المدارس باحتجاجاتهم على ظروف دراستهم المتردّية انتفاضة اجتماعيّة معبّرين بذلك عن رفضهم للانعكاسات الخطيرة لسياسة الاستغلال والاضطهاد والعنصريّة التي تنتهجها الدّولة البرجوازية ضدّ الطّبقة العاملة والجماهير الكادحة التي تتحمّل وحدها أعباء هذه السّياسات، وبهذه الانتفاضة يؤكّدون أنّ من حقّهم القيام بالثّورة ضدّ هذه السلطة البرجوازية الاحتكارية التي لا تضطهد الطبقات الكادحة في المجتمع الفرنسي بل تضطهد الشعوب في المستعمرات واشباه المستعمرات الفرنسية التي مازال الإمبرياليون الفرنسيون يضعون ايديهم على خيراتها ويتحكّمون في مصائرها عبر الانظمة الدّمى التي ينصّبونها هناك حفاظا على مصالحهم من اجل إستدامة نهبها واستغلالها. وهذه الانتفاضة الشبابيّة في فرنسا ستبثّ الأمل في شباب شعوب تلك المستعمرات القديمة والجديدة بأنّ طريق الانتفاض والثورة هو طريق التخلّص من براثن الهيمنة الاستعمارية بمختلف أشكالها وطريق التحرّر منها وتحقيق سيادتها السياسية والاقتصادية، إنّهم يرسمون لنا طريق التحرّر والانعتاق.
إنّ العالم يسير نحو حرب عالمية ثالثة، وكلّما اقترب موعد اندلاع تلك الحرب كلّما تفاقمت أزمة الإمبرياليات التي تتهيّأ للعب دور رئيسي فيها، وكلّما تفاقمت ازمة تلك الإمبرياليات كلّما زاد استغلالها واضطهادها للعمّال وجموع الكادحين والمهمّشين والشباب والشعوب بحثا عن مصادر إضافيّة لتوفير السلاح وتجهيز العساكر.. ولكن هذه السياسات ستدفع أكثر بجموع المضطهَدين إلى تنظيم صفوفهم والاستعداد للثّورة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق