الأربعاء، 6 مايو 2026

الحياة المبكّرة لمــــاركس

   من الواضح أنّه لا يمكن لأحد أن يولد ماركسيًا، حتّى ماركس نفسه، بل يجب أن تكون هناك عمليّة يتمّ من خلالها تطوير الأفكار والآراء وصياغتها حتّى تتبلور في شكل معيّن والذي يمكن أن يسمى إيديولوجيا. وكان على ماركس وإنجلز، بطبيعة الحال، أن يمرّا بمثل هذه العمليّة قبل أن يكتشفا ويفهما المبادئ الأساسية لما نعرفه اليوم بالماركسية. لقد تمّ تحديد هذه العملية بشكل طبيعي من خلال التجارب الملموسة التي مرّ بها كلاهما. ومن أجل فهم هذا بعمق، علينا النظر بإيجاز إلى تجارب حياتهما المبكّرة.

   وُلد كارل ماركس في 5 ماي 1818، في مدينة ترير في ما كان يسمّى آنذاك (راينلاند البروسية) والتي هي اليوم جزء من ألمانيا. كان والده، هاينريش ماركس، أحد كبار المحامين في المدينة. كان للأسرة مستوى ثقافي جيّد ولكنّها لم تكن ثورية. وقد انحدر والدا ماركس من سلالة طويلة من الكهنة اليهود وبالتالي، على الرغم من أنها كانا ميسوريْن اقتصاديًا، كان عليهما مواجهة التمييز الاجتماعي في الجو المعادي لليهود في بروسيا.

   في عام 1816، أُجبر والد ماركس على اعتناق المسيحيّة، لأنّ الحكومة البروسية قامت بإصدار حكم يمنع اليهود من ممارسة القانون. وفي عام 1824، تمّ تمرير قانون بروسي آخر لمنع غير المسيحيين من الدخول إلى المدارس العامّة، وللتغلب على هذا، اضطرّ هاينريش ماركس مرة أخرى إلى تعميد ابنه كارل، مع جميع إخوته وأخواته. وهكذا، على الرّغم من أنّه لم يكن مؤمنا بالدّين الرسمي، اضطرّ والد ماركس إلى تبني إيمان جديد لمجرد مواصلة مهنته وتوفير تعليم جيّد لأبنائه.

   تُعدّ مدينة ترير، مسقط رأس ماركس، أقدم مدينة في ألمانيا، وكانت، منذ قرون عديدة، مقرًا لأباطرة الرّومان ومن ثم مقرّا لأساقفة الكاثوليك، مع إدارة دينية للمدينة والمنطقة المحيطة بها. في أوت 1794 استولت الجيوش الفرنسية على المدينة وأقامت إدارة مدنية وجلبت أفكار ومؤسّسات الثّورة الفرنسية. ولم تعد المدينة إلى أيدي الملك البروسي إلاّ بعد هزيمة نابليون في عام 1815. وهكذا، فإنّه أثناء ولادة ماركس وخلال فترة شبابه، كانت لا تزال تحمل أثر واحد وعشرين عامًا من الأفكار الثّورية الفرنسية.

   كانت ترير بلدة صغيرة، مماثلة في حجمها لبلدات التالوكا الصغيرة، ويبلغ عدد سكانها حوالي 12000 نسمة. وكانت في الأساس تمثّل سوقا للمنطقة المحيطة بها، وقد كانت منذ قرون منطقة مشهورة بزراعة العنب. وكان سكّانها يتألفون من مهن نموذجية لمدينة "خدمية" -موظفو الخدمة المدنية، والكهنة، والتجار الصغار، والحرفيون، وما إلى ذلك. وقد ظلت هذه البلدة بمنأى عن الثورة الصناعية لذلك كانت متخلفة اقتصاديا نسبيا.

  خلال شباب ماركس كانت فيها درجة عالية من الفقر، وقد أعطت الإحصاءات الرّسمية في عام 1830 رقم بطالة واحد من كل أربعة (1/4)، على الرّغم من أن الرّقم الفعلي يجب أن يكون أعلى من ذلك بكثير. كان التسوّل والبغاء شائعين وكانت أرقام الجريمة البسيطة مثل السرقة عالية للغاية، وهكذا شهد ماركس منذ سنّ مبكّرة جدّا بؤس الطبقات العمالية وفقرها.

   بعد التحاقه بالمدرسة الاعدادية، دخل ماركس إلى مدرسة فريدريش فيلهيلم الثانوية في عام 1831، وتخرّج منها في عام 1835. وفي غضون ثلاثة أسابيع، تم إرساله لإكمال دراسته في كلية الحقوق في الجامعة على بعد أربعين ميلاً من ترير، في مدينة بون (ألمانيا).

   مع الرّغبة في التعلّم قدر الإمكان، سجّل ماركس على الفور في تسع دورات تكوينية إلى جانب القانون، وقد شملت الشعر والأدب والفن، وما إلى ذلك... كان له اهتمام عميق بكتابة الشعر وكان في البداية يحضر المحاضرات بانتظام ولكنه فقد الاهتمام بها تدريجيا، لا سيّما المحاضرات القانونية، التي وجدها جافّة وغير مرضية، فقام بتخفيض دوراته إلى ستّة ثم إلى أربعة ثم قرّر الدراسة بنفسه. انضم أيضا إلى دائرة من الكتّاب الشّباب أسّسها طلاّب ثوريون ليشارك في الحياة العاصفة للطلاب وفي الصّراع المستمر بين أبناء النبلاء الإقطاعيين وأبناء البورجوازيين وسرعان ما أصبح قائداً للجماعة البرجوازية. كان غالبًا ما يدخل في مشاجرات وأحيانًا في مبارزات بالسيف، كان يحمل سكينًا / خنجرًا (يشبه إلى حدٍ ما سكاكين جوبتي)، وقد قبضت عليه الشرطة في إحدى المرّات، كما حُكم عليه بالسجن لمدة يوم واحد في سجن الطلاب بالجامعة بتهمة "الصخب الليلي والسّكر". وقد أصيب في إحدى المبارزات بالسيف، على حاجبه الأيمن ممّا دفع بوالده إلى القيام بسحبه من جامعة بون وإعادته إلى ترير في أوت 1836.

   عند عودته إلى ترير، ارتبط بجيني فون فيستفالن، ابنة البارون فون فيستفالن، وهو أحد النبلاء ومسؤول حكومي بروسي كبير. كانت جيني أكبر منه بأربع سنوات، وقد كانت تعرفه منذ أيّام المدرسة. وقد ارتبطا اولا بموافقة والدي ماركس، لكن دون موافقة والدي جيني، التي لم يتم الحصول عليها إلا في عام 1837.

   في أكتوبر 1836 انتقل ماركس إلى جامعة برلين، وكانت عاصمة بروسيا آنذاك. كانت الجامعة أكبر بكثير من بون وتشتهر كمركز رئيسي للتعليم. بعد التسجيل في دورات الجامعة، قفز ماركس على الفور إلى عاصفة من العمل تشمل البقاء يقظا ليلة بعد ليلة وتناول الطعام بشكل غير منتظم والتدخين بكثافة وقراءة الكتب الثقيلة وملء دفاتر الملاحظات. وبدلا من الدّراسة الرسمية تابع ماركس دراسته بنفسه. وانتقل بسرعة هائلة أثناء ذلك من القانون إلى الفلسفة إلى الشّعر إلى الفن ثم كتابة المسرحيات والقصص ثم العودة إلى الفلسفة والشعر. انجرّ عن ذلك إرهاق كان له تأثير سيّء على صحّته المتأثّرة بمرض السلّ الرئوي وهو ما أجبره أحيانًا على أخذ استراحة. لكنّه كان يعود دائما إلى عاداته في العمل المفرط وقراءة كل شيء من أقدم إلى أحدث أعمال العلماء والفلاسفة. كان منكبّا على الفلسفة، يحاول دائما إيجاد معنى عالمي ويبحث دائما عن المطلق في المبادئ والتعاريف والمفاهيم.

   خلال سنته الثانية في الجامعة انضمّ إلى مجموعة من طلاب ومعلمي الفلسفة يدعون "الهيغليين الشباب" والذين كانوا من أتباع الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك هيغل، الذي كان يدرّس في جامعة برلين وتوفّي في عام 1830. وقد حاولوا تقديم تفسير راديكالي لفلسفته، وكان يطلق عليهم أحيانًا "الهيغليون اليساريون".

   كان برونو باور القائد الفكري للمجموعة، وهو أستاذ وأحد أصدقاء ماركس، وقد كان أحد أشدّ الملحدين الذين يهاجمون تعاليم الكنيسة باستمرار. وقد جعلت مثل هذه الهجمات إلى جانب الآراء السياسية الراديكالية الهيغليين الشباب هدفا للسلطات البروسية. لذلك، لم يتمكن ماركس بعد الانتهاء من أطروحته في الفلسفة من الحصول على شهادته من جامعة برلين، التي كان يسيطر عليها الرجعيون المعيّنون من قبل الحكومة البروسية. فقدّمها وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة يينا الليبرالية التي كانت خارج السيطرة البروسية في أفريل 1841.

   بعد الحصول على شهادته كان يأمل في أن يصبح محاضرا في جامعة بون التي انتقل اليها برونو باور في عام 1839، لكن باور نفسه كان في ورطة بسبب الاضطرابات الطلابية التي سببتها محاضراته المناهضة للدين. وأخيراً أمر الملك بنفسه بإزالة باور من جامعة بون وهذا كان يعني نهاية مهنة التدريس لباور وكذلك قطع أيّ أمل في وظيفة التدريس لماركس الذي بدأ في التركيز على الصحافة، والتي كان قد بدأها على الفور بعد ترك الجامعة. وقد ساعده ذلك أيضًا على المشاركة بشكل أكبر في المعارضة الديمقراطية الراديكالية المتنامية بسرعة آنذاك التي توسعت لتشمل مقاطعة راينلاند ثم مقاطعة ويستفاليا المجاورة.

   مثّلت هذه المقاطعات التي سبق أن شهدت التأثير التحرري للإصلاحات الفرنسية المناهضة للإقطاع مراكز معارضة رئيسية للملك البروسي. كما أدّى التصنيع إلى نمو البرجوازية، لا سيّما في كولونيا، أغنى مدينة في ولاية راينلاند، ممّا وفّر دعمًا قويًا لحركة المعارضة الراديكالية هذه من قبل الصناعيين الذين سئموا تحكم الاقطاعين فيهم.

   بدأ ماركس الكتابة الصحفية، وأصبح في أكتوبر 1842، رئيس تحرير صحيفة "الصّحيفة الرينانية" (Die Rheinische Zeitung) نسبة الى مقاطعة الرّاين، وهي صحيفة يومية يدعمها صناعيون. سرعان ما أصبحت الصحيفة على يديه مقاتلة من أجل الحقوق الديمقراطية الراديكالية، لكن هذا جعل ماركس في صراع مستمر مع الرقابة البروسية التي كانت قمعية للغاية. وأخيرًا، عندما نشرت الصحيفة نقدًا لاستبداد القيصر الروسي، مارس القيصر نفسه ضغوطًا على الملك البروسي لحظر الصحيفة، فكان لا بدّ من إغلاقها في مارس 1843. ثم بدأ ماركس الاستعداد لإصدار مجلة جديدة بعنوان "الحوليات الألمانية الفرنسية"  (The German-French Yearbooks).

   خلال الفترة الممتدة من 1841 إلى 1843، انخرط ماركس بعمق في الحياة السياسية العاصفة، ومع ذلك كان لايزال ديمقراطيًا راديكاليًا ولم يكن يحمل وجهات نظر شيوعية بعد. على مستوى الفلسفة كان تحوله الرئيسي خلال هذه الفترة في عام 1841 بعد قراءة كتاب "جوهر المسيحية" لِـلودفيغ فيورباخ الذي قدم نقدًا للدّين من وجهة نظر مادية، وقد لعب هذا الكتاب دورًا كبيرًا في تحويل أفكار ماركس من مثالية مجموعة الهيغليين الشبان إلى المادية. عمل فلسفي آخر أثّـر على ماركس هو "الحكم الأوروبي الثلاثي" الذي صدر عام 1841 وقد كان محاولة من صديقه، موسى هيس، لتطوير فلسفة شيوعية من خلال الجمع بين الاشتراكية الفرنسية وأفكار اليسار الهيغلي.

   لكن في ذلك الوقت لم يكن لدى ماركس سوى معرفة محدودة بأفكار الاشتراكيين والشيوعيين، كان أوّل اتصال له بها في عام 1842 عندما قرأ باهتمام أعمال العديد من المنظرين الفرنسيين الاشتراكيين البارزين. ومع ذلك لم تحوّله هذه القراءات إلى الشيوعية أو الاشتراكية. جاء هذا التّغيير أكثر من خلال اتصاله بجماعات الطبقة العاملة الشيوعية ودراسة الاقتصاد السياسي، وقد حدث ذلك بشكل رئيسي بعد الانتقال إلى باريس في نهاية عام 1843.

   بعد سبع سنوات من خطبتهما، تزوّج ماركس وجيني في جوان 1843. وكانا يقضيان شهر عسل قصير في سويسرا، حينما أتمّ ماركس كتيّبا قدّم فيه انتقاداته الأولية لهيجل. وبعد شهر العسل بدأ الدّراسة والتحضير للانتقال إلى باريس حيث تم إخراج الحوليات الألمانية الفرنسية. وقد تمّ التخطيط لهذا الانتقال إلى باريس من أجل تجنّب الرقابة البروسية، ومع ذلك، على الرغم من أن المجلة كانت مخططا لها ان تصدر كلّ شهر، إلاّ أنها حظرت بعد ظهور عددها الأوّل في فيفري 1844.

   مع ذلك، تميّزت فترة ماركس في باريس بتجارب جديدة ومهمّة للغاية. كان من الأهمية بمكان الاتصال المباشر مع مختلف المجموعات الاشتراكية والشيوعية التي كانت باريس مركزا لها، إلى جانب لقاء عدد كبير من المنظّرين والثّوريين، استفاد ماركس بشكل كبير من التواصل المنتظم مع العديد من ثوريّي الطبقة العاملة. في الوقت نفسه، بدأ ماركس دراسة الاقتصاد السياسي فقام بقراءة معظم أعمال كبار الاقتصاديين الإنجليز. كان لتلك العلاقات الثورية والدراسات تأثير عميق عليه وقد انعكس ذلك في كتاباته.

   كان العدد الوحيد لمجلة الحوليات ذا أهمية كبيرة لأنّه احتوى على أوّل صياغات ماركس للفهم المادي الماركسي للتاريخ وقد ورد في مقال ينتقد فلسفة هيغل. وفي هذا المقال وضع ماركس الصيغة الهامّة فيما يتعلق بالدور التاريخي للبروليتاريا وهنا أيضا وضع الاقتباس الشهير أن الدّين هو أفيون الشّعوب. كما تضمن نفس العدد مقالة كتبها إنجلز حول الاقتصاد السياسي، والتي أعطت أيضا فهما مادّيّا في ما يتعلّق بتطور الرأسمالية الحديثة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق