هبّ الشعب يوم 25 جويلية 2021 إلى الكفاح في أغلب مناطق
البلاد ونزل إلى الشوارع ليشتبك مع الميليشيات الظلامية وقوات القمع التي
استعملت الرّصاص المطّاطي والقنابل المسيلة للدموع وكان مطلبه الرئيسي حل البرلمان
وإقالة الحكومة وهو ما حصل بعد ذلك ليحقق الشعب انتصارا جزئيا آخر في مسار انتفاضته
17 ديسمبر التي انقلب عليها التحالف الإخواني الدستوري بمساعدة الإمبريالية يوم 14
جانفي 2011 وما يليه، مستعملا العنف البوليسي والديماغوجيا الإعلامية وعقد
الصفقات.
لقد كانت 25 جويلية هبّة
شعبية أدّت إلى وضع حدّ لانقلاب 14 جانفي وحتّمتها ظرفية سياسية واجتماعية وصحية
وإعلامية، من ابرز سماتها استشراء الفساد السياسي حيث طغى المال الفاسد الداخلي
والخارجي على الحياة السياسية واصبح رؤساء تونس ووزراؤها يختارون في باريس وواشنطن
والدوحة ودبي وإسطنبول وانعدمت السيادة الوطنية وتفشت البطالة وتفاقمت الديون
وارتفعت الأسعار ونضبت المتاجر من البضائع واستوطن الإرهاب التكفيري الجبال
والشوارع وهيمن على جانب كبير من الفضاء العام، بما في ذلك الإعلام من صحف و قنوات
تلفزيّة وإذاعات وسقط آلاف الضّحايا جرّاء العمليات الإرهابية واللامبالاة في
التعامل مع وباء كورونا.
في ذلك الوقت كان نواب
الأحزاب الفاسدة يتناحرون تحت قبة البرلمان متنافسين على تقديم الخدمات للمراكز
الإمبريالية خارجيا ومراكز النفوذ الاقتصادي الكمبرادوري الإقطاعي داخليا، أمّا
الحكومة فكانت تأتي نسخة منها ثم تخلفها ثانية وأحيانا لا تدوم سوى أيام بل إنّ
إحداها ولدت وماتت قبل ممارسة مهامها وكان الوزراء يستمدون سلطتهم لا من الشعب
وإنّما من رضا تلك الأحزاب الفاسدة فعاثوا فسادا في الصحة والفلاحة والتعليم
والثقافة الخ... وهو ما مثّل استفزازا صارخا للشعب الذي نهض إلى الكفاح مجددا من
خلال تلك الهبة العارمة.
ومنذ ذلك الوقت وحتى
الآن حدثت على الصعيد الرسمي إصلاحات سياسية واجتماعية من خلال تغيير الدستور
وتعزيز السيادة الوطنية وتنويع علاقات تونس الدولية ومحاربة الفاسدين من كبار
أباطرة المال والأعمال وملاحقة الإرهابيين التكفيريين والقطع مع التطبيع مع الكيان
الصهيوني واعتبار فلسطين من نهرها إلى بحرها معنية بالتحرير الكامل، غير أنّ الإصلاحات
الرسمية ظلت مرتبكة ولم تكن عميقة، فالحكومات المتتالية كانت تكنوقراطية دون
برنامج سياسي واضح المعالم، والبيروقراطية ظلت مسيطرة على شتى أجهزة الدولة فكبرت
المسافة بين الشعارات المرفوعة والوقائع وظل الاقتصاد والإعلام والثقافة الخ.. تحت
سيطرة المنظومة القديمة، أمّا على الصعيد الشعبي فإنّ هبّة 25 جويلية لم تنجح في
التحول إلى حركة سياسية تجمع بين صفوفها مختلف قوى الشعب رغم بعض المحاولات التي
ماتت مع انتهاء الغاية منها مثل الانتخابات البرلمانية السابقة جراء تفشي الفئوية
وضيق الأفق وضعف التمثل الفكري والسياسي للانتفاضة والهبة وتحديات الواقع.
واليوم لا تزال تونس في
مفترق طرق، فإمّا أن تسير قدما إلى الأمام من خلال تحقيق مهام تحررها الوطني عبر
الاستقلال عن سائر القوى الإمبريالية وحل المعضلة الفلاحية وتعزيز الثقافة الوطنية
وإصلاح التربية والتعليم والصحة والثقافة والنقل والرياضة وتنظيم قواها الحية، بما
من شأنه أن يوفّر للشعب الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وإمّا أن
تعود إلى الوراء وتغرق في المزيد من الأزمات بما يجعلها لقمة سائغة في فم
الإمبريالية وعملائها وهو ما تسعي إليه قوى رجعية وضعت نفسها في خدمة دول خارجية
لا تخفي أطماعها.
حزب الكادحين
تونس 24 جويلية 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق